منوعات

الذهب الأسود: وصفات البيتومين السومرية كانت ناجحة مثل الأسفلت، منذ 4000 عام


جارٍ تجهيز مشغل الصوت…

لم يكتف الحرفيون السومريون في بلاد ما بين النهرين بجمع القار الطبيعي ووضعه على القوارب أو الطوب. تشير دراسة جديدة للمواد إلى أنهم اتبعوا “وصفات” متكررة تتحكم في القوة والمرونة والعزل المائي بطرق تبدو مألوفة بشكل مدهش في هندسة الأسفلت الحديثة.

يركز البحث على منطقة أبو طبيرة في جنوب العراق ويظهر أن الإضافات مثل الألياف النباتية والشوائب المعدنية لم تكن تلوثا عشوائيا، بل كانت جزءا من تصميم مركب متعمد. يساعد هذا الاكتشاف في تفسير كيفية عمل مدن سومر وشبكاتها التجارية في بيئة من المستنقعات والممرات المائية والهندسة المعمارية المبنية من الطوب اللبن.

دراسة تقرأ البيتومين مثل المهندس

المادة الأساسية هي القار السومري: وهي مادة بترولية تحدث بشكل طبيعي (غالبًا ما تسمى “المادة اللزجة السوداء” الشبيهة بالإسفلت) ترتبط منذ فترة طويلة بالعزل المائي والالتصاق، وحتى بالتجارة بعيدة المدى. ربما يعرف القراء بالفعل كيف يظهر القار في أماكن غير متوقعة، بدءًا من المراكب النهرية في بلاد ما بين النهرين وحتى “شبكات تجارة القار” اللاحقة.

ولتجاوز الكيمياء وحدها، قام الفريق بفحص 59 مركبًا من البيتومين الأثري باستخدام المجهر الرقمي ومعالجة الصور الآلية. لقد ركزوا على الهياكل المتوسطة – المسام، والألياف النباتية، والشظايا المعدنية – لأن هذه الميزات يمكن أن تحافظ على كيفية خلط المادة وتسخينها وإعادة صياغتها.

والأهم من ذلك، أن أبو طبيرة يقع في منطقة ذي قار في العراق، بالقرب من المراكز السومرية الرئيسية مثل أور، حيث كانت المنتجات القائمة على القار ضرورية للبناء والنقل في بيئة السهول الفيضية الرطبة.

آثار مدينة أور جنوب العراق. (م. لوبينسكي/سي سي بي-سا 2.0)

أربع “وصفات” للغراء ومانع التسرب والكتل التجارية

ومن خلال تجميع السمات المجهرية، حدد الباحثون تركيبات متميزة مرتبطة بوظائف مختلفة. وكانت بعض المركبات غنية بالألياف، والبعض الآخر غني بالمعادن، وكل مزيج غيّر سلوك البيتومين تحت الضغط والحرارة والاستخدام المتكرر، وفقًا لمؤلفي الدراسة.

إحدى الحالات الواضحة هي المادة اللاصقة المستخدمة في الأدوات، حيث يمكن أن تجعل المادة النباتية المضافة المركب أكثر صلابة وأقل عرضة للتشقق. جاءت مجموعة أخرى من العينات من كتل موحدة تشبه السبائك، والتي كانت متسقة بما يكفي لاقتراح الإنتاج المخطط له، وربما “مخزون” شبه نهائي يمكن إعادة تسخينه وتعديله وفقًا لتقارير Arkeonews اللاحقة.

وتشير الدراسة أيضًا إلى اقتصاد إعادة التدوير العملي: يبدو أن مركبات البيتومين قد أعيد تسخينها وإعادة استخدامها، لكن التسخين المتكرر قد يجعلها صلبة وهشة للغاية. وكان من شأن هذا القيد أن يجبر الحرفيين على تعديل الوصفات باستخدام حشوات أو ألياف جديدة، وتحويل “النفايات” إلى مواد قابلة للاستخدام مرة أخرى.

السفينة التي تستخدم البيتومين لإصلاح الترصيع.

لم يكن البيتومين مخصصًا للعزل المائي فحسب، بل ساعد أيضًا في إصلاح التطعيمات الزخرفية في الأشياء والأعمال الفنية الفاخرة. (داديروت / CC0)

لماذا تتمتع بلاد ما بين النهرين بميزة “الذهب الأسود”؟

كان البيتومين وفيرًا في أجزاء من بلاد ما بين النهرين بفضل التسربات الطبيعية على طول نهري دجلة والفرات. تشير إحدى الروايات التاريخية المعروفة إلى أن الينابيع المحيطة بهيت (على نهر الفرات) كانت مشهورة جدًا لدرجة أن كلمة “إد” (هيت) أصبحت مرتبطة بفكرة القار في الاستخدام الأكادي.

كانت هذه الميزة الجيولوجية مهمة لأن سومر كانت تعاني من نقص في الأخشاب وأحجار البناء، مما جعل الطوب الطيني الهندسي وإدارة المياه أمرًا ضروريًا. ساعد القار في حل مشكلة أساسية: الحفاظ على قوارب القصب، والطوب، والبنية التحتية للسهول الفيضية من الانهيار في الظروف الرطبة.

عندما تنظر إلى البيتومين السومري باعتباره مركبًا مصممًا وليس مادة مانعة للتسرب بسيطة، يصبح من الأسهل رؤية كيف انتقلت المعرفة التقنية مع البضائع والأشخاص.

ماذا تغير هذا عن التكنولوجيا السومرية

العنوان الرئيسي هنا ليس أن السومريين استخدموا القار، فهذا معروف منذ فترة طويلة، من القوارب إلى الفسيفساء إلى الملاط. التحول الأكثر إثارة للاهتمام هو الدليل على تركيبات البيتومين السومرية الموحدة: خلائط قابلة للتكرار تم ضبطها لمهام محددة، ومن المحتمل أن يتم مشاركتها عبر التقاليد الحرفية والأجيال.

كما يقترح أنه ينبغي مناقشة “القار السومري” بالطريقة التي نتحدث بها عن المواد الهندسية اليوم. وبعبارة أخرى، لم تكن مجرد مورد خام، بل كانت تكنولوجيا مُدارة، ساعدت في تجميع أقدم مدن العالم معًا.

الصورة العليا: زقورة أور في جنوب العراق، وهي منطقة تعتبر فيها مواد البناء المقاومة للماء ذات أهمية كبيرة. المصدر: أمجدها95/سي سي بي-سا 4.0

بقلم غاري مانرز

مراجع

بلقاضي، ز. 1984. البيتومين – تاريخ. متاح على: https://archive.aramcoworld.com/issue/198406/bitumen.-.a.history.htm

كاروسو، ف. 2026. فك رموز التقنيات الحرفية السومرية: معالجة الصور المورفولوجية وتحليل الخصائص المجهرية للمركبات الأثرية القائمة على البيتومين. متاح على: https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S2352409X26000428?via%3Dihub

ألتونطاش، ل. 2026. كيف أتقن السومريون في بلاد ما بين النهرين المواد الشبيهة بالأسفلت منذ 4000 عام. متاح على: https://arkeonews.net/how-sumerians-in-mesopotamia-perfected-asphalt-like-materials-4000-years-ago/



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى